كنا عايشين

كنا عايشين؟؟؟؟؟؟
كان علي يذوي في كل لحظة، فهو لن يعرف أبداً ما حل بأهله بعد أن فصلوه عنهم وجاؤوا به إلى هنا، كل ما تعرض له من تعذيب لم يكن يحسُّ به، الأخاديد التي غارت عميقاً في ظهره الطري وانسلاخ اللحم من باطن رجليه لم تعذبه بقدر القلق الذي يحمله لأجل أن يطمئن على “الحريمات” كما يقول، حالة من الهذيان المستمر تغمر كيانه المجهد، وعقدة ذنب تطارد روحه بلا كلل، كل الأحاديث الجانبية ومحاولات تهدئته لم تفلح، ينشج بصمت، وينوس لحظة بلحظة، في ذاك اليوم، كان عليه أن يحمل قصعة الطعام عند التوجه إلى الخطِّ، لم يكن يدرك أن اليد الأخرى لم تكن خلف ظهره، ناداه المساعد “حسام”:
ـ ولك أخو الدكّرة، ليش إيدك عبتلوح متل إيد الشرموطة.. قرِّب لهون..
توقفنا جميعاً، الرؤوس مطأطأة، والأيدي مشبوكة خلف الظهور المثخنة، والبرد ينخر المسامّ بلا رحمة..
ـ من وين هنت ولك عرصة..
ـ من درعا سيدي..
ـ من درعا؟ وما تقولها بوجهي ولك أخو المنتاكة، هنتو ولك منايك، تطلعوا لهون، شوفوا هالحقير شو ما يقول، هنتو الي بدكن حرية ما هيك؟
سقطت قصعة الطعام من يديه، وشبكهما خلف ظهره مواجهاً المساعد حسام، وبدأت حفلة الفناء أمام الأعين الساهمة…
يا إله الموت! ما هذا! أحلم أم مشهد من فيلم مرعب؟ هل يمكن للإنسان أن يكون هكذا؟ لا شك بأن هنالك خطأ ما..
بدأت المأساة بالصفع على الوجه حتى سال دم علي من أذنيه وعينيه، وكلما حاول أن يفلت يديه ليدرأ صفعة كان يأمره بالعودة كما كان، بعد أن غطى الدم جسده العاري تماماً، قال له: مستلقياً..
رفع بسطاره إلى أقصى الموت وهوى به على الرقبة العارية.. لم يتأوه.. ولم نسمع إلا طقطقة العظام المنسحقة..
من “ذاكرة البازلت”

لــ غياث سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى