شهادة على جحيم السجن

فتح باب الزنزانة فجأة، وفي أقل من إغفاءة الرمش على الرمش، كانوا جميعاً وقوفاً والوجوه باتجاه الحائط، كتلة من بقايا الأجساد المشوهة بآلاف الندوب، شيء يشبه البشر في فجر التكوين، عدد يفوق المائة والسبعين هيكلاً بشرياً في حيز لا يتسع للعشرين، دخلوا… كانوا أربعة جلادين يلبسون الكمامات الطبية وكأنهم مقبلون على عمل جراحي، ففي الداخل روائح الموت صارخة بوضوح، كانوا يحملون مواسير المياه البلاستيكية، فبما بعد أطلق عليها لقب “الأخضر الابراهيمي”، ترى، هل كان وعي الثوار سباقاً ليعرف أن أمم الأرض قاطبة تآمروا عليهم ليجهضوا هذا الوليد الجميل؟ كان المرقمون عشرة، “أولاد الدكَرة المرقمين يطلعوا لهون…” انسلوا من بيننا بهدوء، اصطفوا بمواجهة الحائط المقابل راكعين على ركب أعياها الزلال وقيح الخراجات النازَّة صديدا وقهراً، لم نكن نجرؤ على النظر باتجاههم، إلا عندما بدأت رحلة الموت المشتهى في هذا الخواء المفترس، كانوا وهم راكعين برؤوسهم المنكسة، والأيدي المعقودة خلف الظهور المتقيحة، يستقبلون نهش المواسير للأجساد العارية تماماً، اختلطت التوسلات بقهقهات الجلادين.. اصطبغ الجدار بأحمر قانٍ فوق الأحمر الكتيم، نتف من الجلد تتطاير في كل الأنحاء… بعضها يلتصق بالجدران والسقف، وبعضها بالأجساد الراجفة الذاهلة الشاهدة على انتحار الروح.. كانت التوسلات لا تهدأ والأدعية لم تملَّ من طلب الرحمة من قويٍّ قدير.. لكن هنا.. أبواب السماء موصدة، كباب هذه الزنزانة تماماً، فلا صوت يعلو فوق صوت الموت الساخر، والشتائم المقذعة، وهسيس الهواء المتشقق أمام المواسير الناهشة بلا شبع أو ارتواء.. الأجساد تتحول إلى كتل من اللحم والدم المعجون.. بعد هنيهة.. تتوقف الأصوات وتصمت الأدعية.. ولا تكف المواسير عن النهش حتى يتلاشى الصوت الأخير.. كنا نسمعهم ولا ننظر، فرهبة الموت تسطو حتى في ساعة الاشتهاء.. خرجوا.. وأقفل الباب، هرعنا نحو بقايا الأجساد “المخربطة”، كانوا بلا ملامح، وأنين متعب لاهب يصدر عن بعضهم، وكان ثلاثة منهم قد صمتوا صمتاً أبدياً!!

من رواية “ذاكرة البازلت”

لــ غياث سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى