شهادة على جحيم السجن 8

أحسَّ بالبرد ينخر في الجسد المتورم من آثار الجلْد فأخذته قشعريرة مرّة، فتح عينيه المثقلتين دماً وقهراً، تاركاً سلام الذكريات ومدرج الجامعة وكراريس المحاضرات ونفق المشاة ومكتبة العائدي، وتلك الأحاديث الجامحة بينه وبين رفاق الحلم، وكيف سيقومون بتغيير الكون، وتحطيم وثن الرعب الذي يسكن في الأفئدة، ويخرج من الزواريب المطفأة.. يركب بجوارهم في باصات النقل ويجالسهم في “بوفيه” الكلية، ويطل من بوابات الجامعة وعبر أثير النشرة الإخبارية والحرس الجامعي، ونظرات رجال الأمن الحاقدة.. شعر بملوحة في فمه وغامت عيناه قبل أن يدرك أنه الآن في هوة سحيقة، قاع ليس له قرار ووجوه بملامح يابسة ترمقه كأنها تودَّ ابتلاعه، وأيدٍ تتقن فن الضرب بكل الأدوات القاتلة.. تململ في مكانه الضيق فوجد نفسه عاجزاً عن الحركة، فبعد أن شهدوا موت عليّ كان لا بد من حفلة تعذيب صغيرة، فقد على أثرها الوعي ليصحو بعد سفر الموت على استحضار ذاكرة أتعبها الاشتياق لفسحة ضوء خجولة، فكّر، “لا شك أن الإنسان أكثر الكائنات تعاسة على وجه البسيطة، هذا الحمل الثقيل فوق كتفيه مأساته وشقاءه المستبد، في لحظة ما، يغدو العقل همَّاً قاتلاً، والذكريات فجيعة الزمن الحامل أعباء الحقيقة”..

رواية ذاكرة البازلت
لــ غياث سعيد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى