شهادة على جحيم السجن 6

http://icdsy.com/%d8%b4%d9%87%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%ac%d8%ad%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%ac%d9%86-6/

استجمع بقاياه منسحباً داخل روحه الكليلة، جاهداً أن يبعد شبح الموت الماثل ما استطاع، ألقى سجف جفونه فوق عينيه الباكيتين، وغامر بالخروج من سلاسل اللحظة القاتلة إلى فاتنة عشقها في صباه، كان في مقتبل العمر الذي سيعلم بعد دهرٍ من القهر أنَّ الريح لا تحمل العطر نفسه مرتين، كان غريباً عن المدينة الحالمة، ويعشق اكتشاف زواريبها المضمخة بالياسمين وحيطانها الحميمة التي تخفي وراءها أقاصيص العشق وروائح الجوري والزعتر والبهار، حين التقاها بغتة، نجمة شردت عن مدارها وسقطت في شرنقة جموحه الضاجَّ لفورة جسد، أخذته الرعشة الجائعة للغرق في مياهها الدافئة، عند التقاء العيون انهارت مغاليق الحرج، كانهما كانا على موعد منذ بداية التكوين، سألها عن نوافير الشام فاقتادته إلى كواكب المجرة وسنابل الوهج عبر أزقة الحميدية وحمائم الجامع الاموي، سارا متلاصقين في زحمة الناس وأصوات الباعة وتكبير المآذن العتيقة، كان لهما صلاتهما الفريدة، ليس لها ضوابط الخوف من النار أو الطمع بجنة موعودة، كانت جنتهما تتخلّق برعم عشق بينهما، وتتوالد آلاف العصافير على آثار أقدامهما، سيذكر حين احتواها واحتوته لأول مرة في غرفته الصغيرة، المختبئة بأحد شرايين “الدويلعة”، طابعاً قبلته الأولى على شفتيها اللاهبتين، وقد حلقا إلى سموات لم تطأها أحلام عاشقين قبلهما، سيذكر أنها همست له حينها:
ـ أتعلم أني أحببتك قبل أن أراك؟ كنت أراك في الحلم، لم تختلف عن أحلامي أبداً، عيناك السوداوين وقامتك الفارعة وهذا الطيب في كفيك، أنفاسك كانت تلفح جسدي فتأخذني إلى جموح الضوء وتنشر روائح البخور والزهور البرية والعطور الدمشقية، ومن خلال عينيك كانت تتسلل الأشعة الغامرة لروحي كلها، بيضاء، حمراء، خضراء، بنفسجية، أو بشكل اللازورد، وكنت أتمسك بأهداب الحلم فيسحبني الى ما لايوصف من ارتعاشة القلب على حد النشوة المحرمة، فأمجن فيك كما يحلولي…
من رواية”ذاكرة البازلت”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى