شهادة على جحيم السجن 5

على الطريق، قبل أن يصلوا به إلى مقر التحقيق، لم يبقَ أحد من “حماة الديار” المنزرعين على الحواجز إلا وترك علامة على جسده المزرورق لكماً وركلاً وأعقاب بنادق، وهو الساكن على حافة الردى منتظراً لحظة قرار السحل الأخير.. كان يعلم أنها الرحلة الأخيرة فأخذ يتدرب سراً على ما توقعه منذ اندلاع الثورة: “مهما استطال العذاب فلن يأخذوا مني كلمة واحدة، عليَّ أن أصمد أطول وقت ممكن قبل أن يقرروا تصفيتي” كان يعلم أنهم لن يتوقفوا عن تعذيبه حتى ولو اعترف بكل ما يريدون، ولذا لا فائدة من التكلم بما يشتهونه، الآن عليه أن يطبق نظريته الأثيرة، وأن ينكفىء إلى الداخل، لا كلام ولا انهيارات، فالصمت سلاح فعال إذا عرف كيف يستخدمه بحنكة طالما النتيجة واحدة هي: الموت! لم تطل رحلة الولوج إلى عالم الفناء الشره طويلاً، هنا أيضاً كانوا في استقباله بتلك العصيّ الخضراء، ارتطم بالأرض المسفلتة ككومة قش مهملة، وحده صفير العصي الذي يشق الهواء الحاد وأنواع الشتائم المبتكرة كانت الأكثر حضوراً، والجسد العائد لفطرته الأولى: شكل التكوين على صورة الأجنة المشوهة بحبل السرة ملتفاً على عنق الروح، غامت الأشياء وانبثق الضوء من أقصى الدهشة، وارتقى الألم سلالم السكينة وتلاشى الإحساس، سيعلم بعد مضي شرخ الدهشة الأولى، أن أيادٍ معروقة وعيون زائغة، آوت غيابه الراعف حتى استعاد حضور الفاجعة..
غياث سعيد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى