خاطرة معقل 3

انتصب واقفاً برغم الآلام المبرحة والحرائق الي تشتعل في جروح قدميه النازفتين، وجهه إلى الجدار وعيناه إلى أسفل، ويداه معقودتان خلف ظهره المقوس وروحه المنكوبة..

التقط العصابة بلمح البصر ووضعها على عينيه ليخيم الظلام من جديد، شعر بتلك اليد اللئيمة تطبق على مؤخرة عنقه كملزمة صمَّاء، سار كأنه مقيد والألم يخترق المسامّ في كل خطوة يخطوها، تذكَّر قول شاعرٍ أكلته الظلمة في سحيق زمن القهر الممتدِّ: “كنت أرى بالشم” .. ترى هل يمكنه أن يعني غير هذا المكان؟؟
أصوات الأنين والصرخات المتوسلة وثرثرة العصيّ على الأجساد المثخنة، روائح الدم الطازج والبول والغائط الممزوج بالقيح والعرق المصبوب من فوهّات الوجع المكلوم بفنون التعذيب وشرارات عصي الكهرباء.. البهو البارد المبهم الذي يمتد من عتمة الرحم الى وحشة القبر.. وتلك الملزمة المحكمة على مؤخرة العنق تدفع باتجاه “بساط الريح” لجولة غامضة بين برزخين.. جأرت روحه أول الألم وخانته تلك المأفونة -جثته المحطومة- فوق برد البلاط اللزج بخليط بقايا الجثث الساكنة.. غامت الأحاسيس هنيهة وأطلق عنان الأسى .. آخر ما شعر به ملوحة لا تشبه الدموع تخترق زحمة البثور النابقة من تحت عصابة العينين.. وحلق عالياً عالياً.. وطفا خارج إسار الزمن…

غياث سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى